ظاهرة لافتة في برلمان 2009: كتل "رباعية" تستقلّ وتبقى في إطار "الكتل الرئيسية".. والهدف حجز مقعد على طاولة "الحوار الوطني"!
لا يشبه برلمان 2009 غيره من البرلمانات..
في السابق، كان النواب "يتنافسون" على "تكبير" الكتل وكان السباق على أشدّه لتشكيل "الكتلة الأكبر حجماً" في المجلس النيابي.. حتى أنّ محاولات "اجتذاب" النواب من كتلة نحو أخرى كانت تسيطر على المشهد العام للمجالس النيابية المتعاقبة..
أما اليوم فظاهرة جديدة هي المسيطرة.. في مقابل الكتل الرئيسية الكبيرة، هناك كتل "فرعية" تسعى لـ"الاستقلالية" وهناك "كتل" تقرّر "الاندماج" مع بعضها البعض..
فهذا الوزير طلال ارسلان مثلاً.. أعلن انضمامه لتكتل "التغيير والاصلاح" ثمّ أنشأ كتلته "الرباعية" الخاصة المؤلفة من نائب محسوب على "التيار الوطني الحر" وآخر محسوب على "حزب الله" وثالث درزي محسوب على تكتل "التغيير والاصلاح"..
أما رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، الذي انضمّ أيضاً إلى تكتل "التغيير والاصلاح" كما وعد عشية الانتخابات، تمكّن أيضاً من "تكبير" حجم كتلته.. فنوابه الثلاثة باتوا أربعة بعدما قرّر النائب إميل رحمة، المنضم أيضاً إلى تكتل "التغيير والاصلاح"، أن يدخل في كتلة "المردة" المنبثقة من التكتل..
أما "الحزب السوري القومي الاجتماعي" فقرّر، وبكل بساطة، "دمج" كتلته مع كتلة حزب "البعث" ليصبح عدد نواب "الكتلة المندمجة" أربعة أيضاً علماً أنّ للحزبين نواباً في كتلة "الوفاء للمقاومة" وكتلة "التحرير والتنمية"..
وإذا كانت هذه الظاهرة منتشرة بشكل واضح لدى فريق المعارضة كونه يمثل "الأقلية النيابية"، فإنها لا تغيب عن فريق الموالاة.. فأرمن الاكثرية، مثلاً، الذين يعتبرون أنهم كانوا "مغيّبين قسراً" عن طاولة الحوار، شكّلوا "كتلتهم الرباعية" التي أفرزتها نتيجة الانتخابات وبات شرط "التمثيل الشعبي والعددي" متوافراً لحجز المقعد..
كتل "رباعية" تسيطر إذاً على المشهد الانتخابي.. قد يبدو الأمر غريباً لكنه لا يعود كذلك عندما "يتّضح" السبب فـ"يبطل العجب".. الهدف بكل بساطة حجز مقعد على طاولة "الحوار الوطني" التي يبدو أنها ستفقد المزيد من "الهيبة المتبقية لديها"..
"ممثلو الشعب" يتذكرون قاعدة من القواعد التي أنشئت الطاولة على أساسها: أي كتلة من أربع نواب تستحق أن يكون لها ممثل على طاولة الحوار.. وانطلاقاً من ذلك، قرّر "ممثلو الشعب" أن ينشئ كل أربع نواب كتلتهم الخاصة "المستقلة" والتي ستندرج رغم ذلك ضمن "الكتلة الكبيرة" التي ينتمون إليها..
ملاحظات تفتح لا شكّ العديد من علامات الاستفهام.. ما هو مصير طاولة الحوار في ظل هذه الظاهرة؟ وألم يحن الوقت ليغيّر رئيس الجمهورية الصيغة المعتمدة لتشكيل الطاولة؟ ولماذا تسعى كل هذه الكتل لتتمثل في طاولة لطالما قالت أنها ممثَّلة فيها عبر "الحلفاء" و"الأصدقاء"؟ وهل "التحايل" على النظام بهذا الشكل هو الحل؟ وماذا بعد؟
كتلة "المردة": جزء من تكتل "التغيير والاصلاح" وتفاهم كامل معه.. والعودة لطاولة الحوار مطلب طبيعي
.. وعاد تيار "المردة" إلى المجلس النيابي من بابه العريض، ومن زغرتا عرين "البيك" الأساسي..
المقاعد الزغرتاوية الثلاثة حجزت للتيار الذي "غُيّب قسراً" عن برلمان 2005 فعاد نواب "المردة" سليمان فرنجية واسطفان الدويهي وسليم كرم ليشكلوا "ممثلين حقيقيين وفعليين" للشعب الزغرتاوي..
لكنّ النواب الثلاثة، الذين سارعوا للانضمام لتكتل "التغيير والاصلاح" برئاسة العماد ميشال عون بناء على "تفاهم تام" مع الأخير، شكّلوا "كتلتهم الفرعية" والتي أصبحت بدورها "رباعية" مع انضمام رئيس حزب "التضامن" إميل رحمة إليها بعيد فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة..
على أنّ عضو الكتلة النائب سليم كرم لا يعتبر هذه الكتلة جزءاً من سلسلة "الكتل الرباعية" الناشئة هنا وهناك ولا يضع انضمام النائب رحمة إلى الكتلة في هذا السياق أيضاً.
ويوضح النائب كرم لـ"النشرة" أنّ كتلة "المردة" هي جزء من تكتل "التغيير والاصلاح" وهي لا تعتبر نفسها مستقلة عنه فهي "على تفاهم كامل مع المعارضة بكافة أطيافها" مشدداً على أنّ أي موقف ستتخذه المعارضة سيكون موقفاً موحداً تأخذه المعارضة ككل. ويلفت كرم إلى أنّ العمل على إدخال رحمة إلى كتلة "المردة" كان سابقا لفكرة "الكتل الرباعية" ويعرب عن استغرابه لـ"التجمعات التي يتمّ خلقها" في هذه الأيام.
ولا ينكر كرم مطالبة "المردة" الواضحة بالعودة لطاولة الحوار وذلك "لنكون مشاركين في الحوار على القضايا الأساسية ولنعود لاعبين أساسيين على هذا الصعيد" لافتاً أيضاً إلى أنّ لدى فريقه أفكاراً للمساهمة في بناء الوطن.
كتلة أرمنية "أكثرية" تتشكل.. ولا ترى مشكلة في ظاهرة "الكتل الرباعية": كل ما هو ديمقراطي صحي
من الكتل "الرباعية" التي تشكّلت أيضاً بنتيجة الانتخابات كتلة طال انتظارها في الساحة السياسية اللبنانية، إنها "كتلة الوفاق الأرمني"..
وعدت المعارضة بها فأتت من فريق "14 آذار" الذي تمكّن من الحصول على أربع مقاعد من المقاعد الست المحجوزة للأرمن في البرلمان اللبناني..
كتلة أرمنية متضامنة، متراصة، تضع المشاركة في طاولة الحوار وفي الحكومة اللبنانية نصب عينيها ولا ترى مانعاً من وضعها في سياق "الكتل الرباعية" الناشئة حديثاً..
هذا ما يؤكده أحد أبرز وجوه الكتلة وأحد أبرز الوجوه النيابية الأرمنية النائب سيرج طورسركيسيان الذي يقرأ في الكتلة الجديدة "انطلاقة جديدة للحركة الأرمنية والقوى الأرمنية في لبنان" مشدداً على "الاستقلالية" التي تتمتع بها هذه الكتلة في قراراتها ولافتاً إلى أنها "تعطي نوعاً من الزخم للنواب الأرمن الأربعة".
ويوضح طورسركيسيان لـ"النشرة" أنّ الهدف الأساسي من تشكيل هذه الكتلة هو منح النواب الأربعة نوعاً من الاستقلالية فضلاً عن التواجد ضمن طاولة الحوار وكذلك على المقاعد الوزارية. ويذكّر النائب طورسركيسيان بوجود شروط معيّنة للمشاركة في الحوار وقد توافرت في الكتلة الأرمنية المستحدثة "خصوصاً لجهة التمثيل الشعبي والعددي" رافضاً القول أنّ هذه الكتلة تأخذ مكان أحد على طاولة الحوار معتبراً أنّ الانتخابات أفرزت واقعاً جديداً قبل به الجميع وأفرزت طبقة سياسية جديدة لها الحق أن تُمثَّل على طاولة الحوار. ويذكّر طورسركيسيان بأنّ التمثيل الأرمني على طاولة الحوار سابقاً لم يكن محتكراً من قبل "الطاشناق" وفق الاتفاق الأولي الذي كان يقضي بتمثيل 3 أحزاب أرمنية مداورة.
ولا يرى النائب الأرمني، الذي يصفه زملاؤه بـ"النائب المشاغب" في البرلمان، أي مشكلة في ظاهرة "الكتل الرباعية" التي تنشأ بهدف حجز مقعد على طاولة الحوار واصفاً ذلك بـ"الديمقراطي" متحدثاً عن نوع من "خلط الأوراق" عبر هذه الظاهرة وصولاً حتى دعوة "الطاشناق" للبحث عن نائبين "ضائعين" في المعارضة ليشكلوا كتلة معهم تسمح لهم بالمشاركة في الحوار. ورداً على سؤال عمّا إذا كانت هذه الظاهرة "صحية"، يسارع طورسركيسيان للقول أنّ "الصحي هو أن يلعب الجميع اللعبة الديمقراطية وغير الصحي هو اللجوء للسلاح لتغيير القواعد الديمقراطية".
وإذ يستغرب طورسركيسيان الهجوم على "الكتل الرباعية" ملاحظاً أنّ عددها ليس بهذا الحجم الذي يصوّر فهي تقتصر على كتل "المردة"، و"القومي-البعث"، و"وحدة الجبل" وكتلة "الوفاق الأرمني"، يشير إلى أنّ الكتل الرباعية الناشئة حديثاً تمتّن الأجواء بعد الانتخابات النيابية التي أعطت أملاً جديداً معرباً عن فخره بالـ2000 صوت التي حصل عليها من الطائفة الأرمنية في الأشرفية رغم الحشد الطاشناقي الاغترابي.
وانطلاقاً من كتلته الأرمنية، يطالب طورسركيسيان بالمقعدين الأرمنيين في الحكومة المقبلة معرباً في الوقت عينه عن اعتقاده أنّ العماد ميشال عون سيخوض معارك ليحافظ على مقعد "الطاشناق" كونهم كانوا "بيضة القبان" لنجاحه في المتن "لكننا كأكثرية أرمنية يحث لنا أن نطالب بمقعدين وكل الأمور الأخرى تُبحث في حينه".
كتلة "الأحزاب الوطنية": دمج لـ"القومي" مع "البعث" في البرلمان.. ومطالبة بالمشاركة بالحوار بكتلة ودون كتلة
وإذا كان نواب الأرمن الأكثريون "جمّعوا" أنفسهم من خلال كتلة متضامنة متراصة تحت العنوان الأرمني الأساسي في هذه المرحلة، فإنّ "دمجاً" لافتاً حصل بين كتلتي "القومي" و"البعث" جعلهما كتلة واحدة، هي كتلة "الأحزاب الوطنية"..
لكنّ الفكرة ليست بجديدة وهي مطروحة منذ أيام المجلس النيابي السابق.. هذا ما يقوله عضو الكتلة، عضو كتلة "التحرير والتنمية" النائب قاسم هاشم، الذي يوضح لـ"النشرة" أنّ لا شيء يمنع وجوده في الكتلتين في الوقت نفسه مشدداً على أنه لا يزال في كتلة "التنمية والتحرير" وهذا لا يتعارض مع وجوده في كتلة "الأحزاب الوطنية" قائلاً "لن أكون خارج كتلة التنمية والتحرير".
ويوضح النائب هاشم أنّ فكرة الدمج بين "القومي" و"البعث" داخل البرلمان مطروحة منذ ثلاث سنوات بحيث كان هناك اتجاه لانشاء كتلة للأحزاب الوطنية العلمانية التي تمثل توجهاً سياسياً معيناً ولا تكون بعيدة عن قوى المعارضة مع وجود "خصوصية معينة" لها.. ويؤكد أنّ الكتلة التي انطلقت مع بداية عمل المجلس النيابي ستعمل في إطار المصلحة الوطنية وستتواصل مع كل القوى ومع الأحزاب غير الممثلة في المجلس النيابي أيضاً لتكوين رؤية موحّدة من مجمل الاستحقاقات.
ولا ينفي النائب هاشم رغبة هذه الكتلة بالتمثل على طاولة الحوار الوطني، لكنه يشدّد على أنّ هذه المطالبة موجودة سواء بكتلة أو من دون كتلة لافتاً في الوقت عينه إلى أنّ ذلك يعود للأسس والمعايير التي ستُعتمد في المرحلة المقبلة لطاولة الحوار "فالموضوع أصبح اليوم بيد رئيس الجمهورية وقد يلجأ لمعايير وآلية جديدة".
كتلة "الأحزاب الوطنية" ستطالب بحجز مقعد لها على طاولة الحوار لتكون حاضرة وتكون ضمن هذه الطاولة قادرة على طرح أفكارها على كل المستويات. بهذه العبارات، يشرح النائب هاشم حيثيات رغبة الكتلة بالتمثل على الطاولة مؤكداً أنّ الكتلة ممثلة بطبيعة الحال بمن يكون موجوداً في الحوار من المعارضة "لأننا نؤمن أن هذه القوى تنطلق من رؤية واحدة موحّدة ومن مبدأ أن الواحد منها يمثل الآخر" لكنه يلفت إلى أنّ "هذا لا يمنع من إمكانية وجود القوى الحزبية ممثلة على طاولة الحوار" أقلّه لنكون سنداً لحلفائنا".
"مصير" الحوار الوطني: بين سلاح "سُحِب" من التداول.. وقضايا اجتماعية يجب أن "تُفتَح"
وسط كل ذلك، أيّ مصير ينتظر طاولة الحوار؟ وأي "هيبة" ستبقى لديها إذا ما باتت مجرّد "نسخة مصغّرة" للمجلس النيابي؟ والأهم من كل ذلك، ما "مصير" الحوار بمعناه الفعلي؟ وهل سيبقى محصوراً بـ"استراتيجية دفاعية" وسلاح يقال أنه "سُحِب" من التداول؟
برأي النائب سيرج طورسركيسيان، فإنّ طاولة الحوار هي نوع من "مجلس شيوخ" لافتاً إلى أنّ "القرارات تدخل ضمن صلاحيات مجلس الشيوخ المنوي إنشاؤه". لكنه لا يعتبر الأجواء اليوم ملائمة لهكذا مجلس ولا للهيئة العليا لالغاء الطائفية السياسية "لأنّ هذه الأمور تحتاج استقراراً نهائياً وتهيئة أجواء". ويشدّد طورسركيسيان على أنّ "لا أحد في لبنان يطالب بنزع سلاح المقاومة، لا الجيش ولا رئيس الجمهورية ولا سعد الحريري ولا سيرج طورسركيسيان" لافتاً إلى أنّ المطلوب هو "تنسيق استخدام هذا السلاح وكيفية تنظيمه والاستفادة منه فضلاً عن وجود نوع من الرقابة لمجلس الوزراء على قرارات الحرب والسلم".
وإذ يشيد طورسركيسيان بـ"الأجواء الانفتاحية والوفاقية الجديدة"، يؤكد أنّ البيان الوزاري الذي سيصدر عن أولى حكومات سعد الحريري سيكون قوياً ويشكّل انطلاقة جديدة على لبنان مشدّداً في ختام حديثه لـ"النشرة" على أنّ الموضوع الذي يجب أن يُبتّ فور عودة طاولة الحوار للانعقاد هو السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات "خصوصاً أنّ التوافق حوله حصل".
إلا أنّ مستقبل الحوار ومدى جدواه يمكن اختصاره بعبارة واحدة بحسب نائب "المردة" سليم كرم الذي يقول بوضوح أنه "إذا كان الحوار مستقلا وعلى نطاق لبناني فإن الحلول ستكون سهلة جداً أما إذا حصلت تدخلات أجنبية لمصالح شرقية أو غربية فسيكون متعثراً". ويلفت كرم إلى أنّ الوضع الأمني يرتدّ على الوضع الاقتصادي بشكل قوي ويشدّد على أنّ طاولة الحوار تبقى الأساس في تثبيت الاستقرار في الوطن ومن هنا تنطلق أهميتها متسائلأً عما إذا كان "ممثلو الشعب" يكترثون لذلك أم يريدون أن يبقى لبنان مركز الصراع في المنطقة.
لكنّ موضوع السلاح والاستراتيجية الدفاعية وغيرهما من المواضيع السياسية لا يجب أن "تحتكر" البحث في طاولة الحوار برأي النائب المعارض قاسم هاشم. فبرأي الأخير، على اللبنانيين أن يباشروا بمناقشة عميقة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية المتّبعة وما إذا كانت نفس السياسات ستُعتمد في المرحلة المقبلة. ويرى النائب هاشم أنّ هذه الأمور لا تقلّ خطورة أو شأناً عن غيرها من الأمور "خصوصاً أننا متوافقون على الأسس والثوابت". أما إذا كان هناك اختلاف على هذه الثوابت، فيجب عندئذ، بحسب هاشم، إعادة دراسة كل الخارطة السياسية وكل ما تمّ بحثه حتى اليوم على طاولة الحوار.
ويتوجه هاشم ختاماً إلى من يطرح سلاح المقاومة مجدداً بالقول أنّ المقاومة "أصبحت أكثر من ضرورة وأكثر من حاجة خصوصاً بعد نشوء حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل" مشدداً على أنّ الموضوع أصبح ثابتة وطنية "إلا إذا كان البعض لا يزال مصراً على الرهانات والأوهام التي لديه".
إذاً، "حقبة" جديدة تنتظر "الحوار الوطني" في "موسمه المقبل" بعد أن أنهى "موسمين" بنجاح و"امتياز".. "حقبة" يتوقع أن تشهد "تغييرات بالشكل" أولاً وربما بـ"المضمون" ثانياً بعد أن باتت "الحاجة ملحّة" لتعديل "المعايير" المعتمدة على طاولة فقدت من "هيبتها" بما يكفي لاعادة "صياغتها" من جديد..
أي "مصير" لطاولة الحوار إذاً في ظل الواقع السياسي الحالي؟ وأي "مستقبل" لمفهوم "الحوار" في وطن "الشراكة" و"التوافق"؟ وأي "شكل" ستتخذ الطاولة في "موسمها المنتظر"؟