يسجل النائب وليد جنبلاط اعتراضين خلال فترة زمنية قصيرة
الأول ضد شعار البطريرك نصر الله صفير «نريد لبنان نفسه لا شرق ولا غرب»، والثاني ضد «لبنان أولاً»، وهو الشعار الذي ارتضته الأكثرية الجديدة كعنوان لها. وفي الاعتراضين شيء من نكهة كمال جنبلاط أيام الحركة الوطنية.
ويقول أحد عارفيه من دبلوماسيي الدول الأوروبية الشرقية سابقاً أيام الاتحاد السوفياتي، «يجب فهم الرجل، فهو يحاول تفعيل ما تبقى له من أرصدة، بعد التفليسة الكبرى التي ظهرت بداياتها مع مطلع تشرين الأول من عام 2004، بعيد محاولة اغتيال مروان حماده، واستمرت لغاية الانتخابات الأخيرة.
لقد غرّب كثيراً، وذهب الى أبعد الحدود مع الولايات المتحدة، ووقف موقف الطرف والفريق في زمن الاصطفافات الكبرى بين المحور الأميركي ـ الأوروبي ـ الخليجي، ومن معه. والمحور السوري ـ الإيراني ومن معه. وكانت النتيجة ان المحورين دخلا في مرحلة الحوار والتلاقي، فيما حصد مع حلفائه الوعود البراقة. وعندما أزفت ساعة الحقيقة تبيّن ان ليس كل ما يلمع ذهباً؟!.
يقول عنه بعض حلفائه «السابقين» من مسيحيي قوى 14 آذار بأنه في حالة من التموضع السياسي الجديد، «وهو لم يفاجئنا، وقد أعلن شخصياً غير مرة بأنه بعد السابع من حزيران سيكون له كلام آخر». ولم يعد مهماً قرار التموضع بقدر ما هو مهم معرفة المكان الجديد الذي سيتموضع فيه، وعلى أي جبهة؟ وأمام أي خطاب وتوجه وسلم أولويات؟، وهل من عصبية جديدة يمكن ان تشدّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي للعودة الى استنهاض همم كل الأحزاب والتنظيمات اليسارية السابقة، يوحدها، وينطلق منها، ليعدل في خريطة الاصطفافات القائمة؟!.
ربما في هذا شيء من التسرّع، فالمرحلة انتقالية، وعملية إعادة ترتيب الأحجام والأوزان لم تنته بعد، وإن كانت الانتخابات النيابية قد جددت للمعادلة التي كانت سائدة، وبقيت الأكثرية أكثرية مع شيء من الترجيح النوعي، فيما بقيت الأقلية أقلية لكن مع عصبية متشددة في وحدة الموقف والخيارات.
وبناء على ما تقدم، يمكن إضافة بعض القراءات التي قد لا يكون الآن وقتها في زمن تأليف الحكومة، لكن ظرفها آت لا محال ليصار الى وضع كل الأمور على الطاولة، بمعنى ان قريطم ستعود الى سرايا الحكومة، لكن زمن الرئيس الشهيد رفيق الحريري يختلف كمّاً ونوعاً ومعنويات عن زمن سعد الحريري.
وإن على الفارس الجديد الذي يحاول ان يمتطي صهوة الحكم ان يدرك أبعاد الشوط، ورحابة المسرح المحلي ـ العربي ـ الاقليمي ـ الشرق أوسطي ـ الدولي، والعوائق المنصوبة او التي قد تنصب فجأة لتعترض المسيرة، قبل الدخول في مرحلة الرهانات والمراهنات؟!.
يضاف الى ذلك ان الأكثرية التي جددت شبابها في انتخابات 2009، قد قامت بعملية انقلاب واسعة عشية السابع من حزيران على كل الخطاب السياسي الذي استخدمته واستثمرته طوال الأربع سنوات الماضية، وتحديداً منذ انتخابات عام 2005. فكيف يصح ان يصبح سلاح «حزب الله» بين ليلة وضحاها فوق السجالات والمهاترات السياسية، وهي التي تناولته على مدى الأعوام الأربعة الماضية بأبشع النعوت، واتهمته بشتى أنواع التهم، وخاضت على هذا الأساس معركتها الانتخابية الأخيرة، وكيف ان سوريا المطلوب رأسها، والتي استنفدت «ثورة الأرز» ـ وجنبلاط كان قطبها الأبرز ـ كامل مخزونها من السلاح البياني والسياسي والمعنوي، قد أصبحت اليوم المقصد والمرجع الذي يفترض إقامة أفضل العلاقات معه من موقع الاحترام المتبادل. لا بل مرحباً بدورها المساعد في تخطي العوائق التي تضعها المعارضة لتسهيل مهمة سعد الحريري في تشكيل الحكومة التي يطمح الى تشكيلها؟ وإذا كانت المحاسبة غائبة في لبنان تماماً، فإن عملية إعادة ترميم جسور الثقة بين اللبنانيين أولاً، وبين لبنان وسوريا أولاً وأخيراً، تحتاج الى معين خارجي كبير، لا أحد يدري ما إذا كان السعودي وحده قادراً على إنجاز هذه المعجزة وبأي ثمن.
وقد يكون من باب التحامل، لا بل من باب الظلم تحميل الأكثرية وحدها مسؤولية هذا الانقلاب الكبير، ذلك ان الأوضاع في المنطقة قد دارت على نفسها 180 درجة في أقل من عام تقريباً، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي دخل الرئيس بشار الأسد الى قلب الشانزليزيه بخطوات واثقة، ليقف الى جانب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، يستعرضان معاً العرض العسكري الذي أقيم بذكرى العيد الوطني الفرنسي، ولا ينفك الرئيس ساركوزي في هذه الأيام عن توجيه رسائل الامتنان والشكر الى الرئيس الأسد على وفائه بالتزاماته ليس فقد تجاه لبنان، بل تجاه العديد من الملفات الساخنة في المنطقة.
أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فقد سارع الى الموافقة على القرار القاضي بإعادة سفيره الى دمشق التي كانت قبل عام تحديداً مصنّفة من قبل الإدارة الأميركية «بمحور الشر» وفي خانة «الدول المارقة». وقبل ان يصل السفير الأميركي الجديد أعلنت المملكة العربية السعودية عن رغبتها في إعادة سفيرها الى العاصمة السورية تأكيداً على التطور النوعي في العلاقات على طريق المصالحة.
وتكتمل بعض مواصفات المشهد الإقليمي من خلال الموقف الذي أكد عليه مجلس وزراء الخارجية العرب الذي انعقد بشكل استثنائي يوم الاربعاء الماضي في القاهرة، والذي أكد على المبادرة العربية للسلام، وعلى التعاطي مع خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه في الرابع من حزيران من على مدرّج جامعة القاهرة، بإيجابية، وذلك لمواجهة عروض رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول الدولة الفلسطينية وعملية السلام، من الموقف الذي يحفظ للعرب بعضاً من ماء الوجه إن لم يتمكنوا من الحفاظ على حقوقهم كاملة.
ويعرف الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري جسامة المسؤولية، وما يترتب عليه القيام به لكي يبقى «لبنان أولاً»، وألا يصبح ثانياً وثالثاً وعاشراً في لعبة الأمم بحيث تحلّ الكثير من الملفات على حسابه، وربما على ما تبقى له من رصيد، ومن حيوية سياسية واقتصادية في المنطقة. فهل يدرك البطريرك صفير صاحب شعار «لبنان بنفسه»، والأكثرية الجديدة صاحبة شعار «لبنان أولاً» حقيقة ما يحاك ويدبر لكي ينتقد جنبلاط، على التوالي، الشعارين معاً؟
إن أقل ما يقال في الوسط الدبلوماسي المتابع ان جنبلاط يعرف، فلذلك يحاول ان يتخندق من جديد. أما أين يتخندق؟، فالمسألة عنده نسبية لأنه من أصناف الساسة الزئبقيين، وهو يرجح مقولة: «ليس في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة؟!».