في العام ١٩٧٥ جاء الموفد الأميركي دين براون إلى لبنان في جولة استطلاعية. قال لكمال جنبلاط: إن برنامج الحركة الوطنية للإصلاح السياسي هو برنامج متواضع وإن الأميركيين مستعدون لدعم تحقيقه شرط التخلي عن الثورة الفلسطينية.
أجاب كمال جنبلاط: إذا حققنا البرنامج السياسي المرحلي للإصلاح السياسي سيذكرنا التاريخ بسطر، أما إذا تخلينا عن القضية الفلسطينية فسيلعننا التاريخ أبد الدهر.
غاب كمال جنبلاط شهيد الثورتين الوطنية والديموقراطية، وأقر »الطائف« جزءاً كبيراً من الإصلاحات السياسية التي طرحها البرنامج المرحلي ولو أن ذلك لم يتجسد عملياً بعد، أو لم يطبّق كلياً، لكن »لعنة فلسطين« ما زالت تطارد أولئك الذين تخلوا عن دعم قضية الشعب الفلسطيني من أجل حصوله على حقوقه الوطنية بالحد الأدنى لتلك الحقوق في ما بات يُعرف بحل الدولتين.
لقد أدت التراجعات العربية ليس فقط إلى تعطيل احتمالات هذا الحل، بل صارت معالجة المسألة اليهودية من منظور عربي بعيدة المنال. لكن الوقائع التاريخية باتت تلح في اتجاه بلورة مشروع عربي من أجل دولة ديموقراطية واحدة في فلسطين يتعايش فيها العرب واليهود والتي تبدأ مقدماتها في داخل الأقطار العربية المحيطة.
غزة اليوم محاصرة مادياً، لكن العرب كل العرب هم المحاصرون بالمشروع الصهيوني رغم أزمته لأنه يجبرهم على تسليم مقاديرهم إلى أميركا. لقد استعمرت إسرائيل بهذا المعنى الإرادة العربية فصار العرب ضعفاء أمام غطرستها غير المسبوقة في أي نموذج من نماذج الاستعمار والاحتلال.
لا يحاولنّ أحد إقناعنا بأن العرب منقسمون بين »عباس« و»حماس« بين هذا المشروع وذاك، وأن هذا الانقسام يعيق الدعم العربي للشعب الفلسطيني في محنته. ما يهان في فلسطين وتهدر كرامته هو الإنسان العربي المؤمن بأن القدس قبلة عربية ورمز لهوية تاريخية ثقافية. إن الفلسطينيين يُحاصَرون لأنهم يرفضون العيش البهيمي من دون ذاكرة ومن دون هوية ومن دون تاريخ. فإذا كان العرب قد »اعتدلوا« إلى حد أنهم قرّروا الخروج من التاريخ ومن شأفة التعلق بالقدس، فليعلنوا ذلك في مؤتمراتهم ويريحوا الشعب الفلسطيني من هذا العذاب جراتمسكه بثوابت الحق القومي، فلا يضطر عندها أن يأكل من علف الطيور والحيوانات.
لقد تصرف وزراء الخارجية العرب مؤخراً أمام حصار غزة وكأنهم يعالجون أي قضية إنسانية أخرى فرموا من فضلات موائدهم مساعدات خجولة دون أن يعالجوا مسألة الحصار بذاتها. ربما يفسر ذلك أن حكّام هذه الممالك العربية يتعاملون بالطريقة ذاتها مع شعوبهم، فلقد صار الخبز قضية للإنسان العربي في غير دولة وعاصمة من عواصم العرب.
يتأكد اليوم، كما من قبل، أن الطريق إلى فلسطين هو طريق عربي أصلاً. وأن احتلال فلسطين كان مشروعاً مناهضاً لفكرة الدولة العربية ولتحقيق الاتحاد العربي الذي يوفر الاستقلال والتقدم. وستبقى قضية فلسطين معياراً أساسياً لمدى قدرة العرب على بناء مستقبلهم في مواجهة التجزئة التي صارت جاذبة للاحتلال المباشر، كما في العراق، والمقنّع، كما في الدول التي تحتضن القواعد العسكرية أو توقع اتفاقات أمنية مذلة، أو بواسطة التبعية الاقتصادية، حيث صارت ثروات العرب تحت وصاية رأس النظام الدولي وإدارته.
إنها »لعنة فلسطين« التي ستظل تطارد هؤلاء الحكّام المنعزلين عن هموم شعوبهم وتطلعاتها، المترهلين العاجزين المجوفين من معاني الوطنية.